إنسانية التعليم تبدأ من المعلم
قراءة من الميدان
لا يمكن أن نبني تعليمًا إنسانيًا بطالب نراه إنسانًا، ومعلم نديره كآلة تنفيذ.
في الخامس والعشرين من فبراير 2021، كتبت في سلسلة تغريدات أن أول ما يحتاجه المعلم احترام عقليته وإشراكه في القرارات، وقلت: (لقد تعب المعلم من كونه مجرد أداة لا صوت لها ولا رأي). وفي العام التالي اختصرت هذا المعنى في كلمتي خلال الفعالية التعليمية (تتمة): (نحن نسعى لإحياء روح المعلم كإنسان).
كانت العبارة يومها تعبّر عن شيء أراه ولا أجد له حضورًا كافيًا في الخطاب التربوي: كنا نتحدث كثيرًا عن دور المعلم، وأثر المعلم، وكفايات المعلم، وأداء المعلم؛ وقلّما توقفنا عند المعلم نفسه. عند الإنسان الذي يحمل هذا الدور كل يوم، ويدخل الصف بمشاعره وطاقته وظروفه، ثم يُطلب منه أن يكون حاضرًا، صبورًا، مبدعًا، عادلًا، متجددًا، مهما كان ما يحدث داخله أو حوله.
وكان هذا الانشغال متصلًا بقراءتي لتحولات التعليم من داخل الصف. ففي كتابي «معلم مع مرتبة الشرف»، الصادر عام 2023، كتبتُ في الصفحة الثامنة والأربعين: (وأستطيع أن أتنبأ أن إكساب الطلاب المهارات العلمية والمهارات الحياتية سوف تشكل المستقبل القريب والتوجه الجديد للتعليم). وبعد أشهر قليلة بدأ هذا التوجه يظهر في التعميمات والخطط التعليمية. وهذا ما جعلني أزداد ثقة بأن ما نراه داخل الصف يسبق أحيانًا ما يظهر لاحقًا في الخطط.
واليوم، أسمع كلمة (الإنسان) تتقدم في النقاش التربوي من جديد. ففي أسبوع التعلّم الرقمي المقرر عقده في باريس من الثامن إلى الحادي عشر من سبتمبر 2026، سيجتمع أكثر من خمسة وعشرين وزيرًا للتربية لاعتماد بيان وزاري مشترك حول الحفاظ على التعليم بوصفه صالحًا مشتركًا في عصر الذكاء الاصطناعي. وتؤكد اليونسكو، في إعلانها عن الحدث، أن استخدام المعلمين للذكاء الاصطناعي ينبغي أن يدعم إسهامهم وحكمهم المهني دون أن يحل محله، وأن يصون استقلال المعلم والمتعلم وخصوصيتهما.¹
ويلفتني أننا نشترط على الذكاء الاصطناعي أن يصون حكم المعلم المهني، بينما نضيّق هذا الحكم بأيدينا كل يوم عبر الإجراءات المتتالية.
يسعدني هذا التوجه، ويجعلني أسأل:
أي إنسان نعنيه حين نقول إن التعليم يجب أن يهتم بالإنسان؟
إذا كان المقصود هو الطالب وحده، فقد نسينا الطرف الآخر. لا يمكن أن نبني تعليمًا إنسانيًّا بطالب نراه إنسانًا، ومعلم نديره كآلة تنفيذ. ولا يمكن أن نطلب من المعلم أن يصنع علاقة، ويراعي الفروق، ويوقظ الدافعية، بينما تُستنزف طاقته في متطلبات متزاحمة، وحدود عمل لا تنتهي بانتهاء الدوام.
مررت بمعلمة بقيت بعد انصراف الطالبات تكمل بيانات مطلوبة قبل نهاية الأسبوع. سألتها عن حصتها في اليوم التالي، فقالت إنها لم تفكر فيها بعد، ثم أضافت: (أُنهي المطلوب أولًا، والدرس يأتي كما يأتي).
لقد كانت ترتّب أولوياتها وفق ما تُحاسَب عليه فعلًا.
وفي اعتقادي ان هذا أحد مداخل الاحتراق الوظيفي.
وتصفه منظمة الصحة العالمية بأنه ظاهرة مهنية تنتج عن ضغوط مزمنة في مكان العمل لم تُدَر بنجاح، وتظهر في استنزاف الطاقة، والابتعاد النفسي عن العمل، وتراجع الشعور بالكفاءة.² فالمسألة في طريقة إدارة العمل.
وفي التعليم، قد يبدأ مسار الاحتراق في اللحظة التي يضطر فيها المعلم إلى الانفصال عن نفسه كي يستطيع إكمال عمله: أن يكتم إرهاقه، ويؤجل حاجاته، ويتنازل عن حدوده، ويؤدي ما لا يؤمن بجدواه، ثم يُطلب منه فوق ذلك أن يحافظ على الشغف نفسه الذي بدأ به.
نطلب من المعلم أن يراعي إنسانية الطالب، بينما تضيّق عليه بعض أنظمة العمل مساحة الاختيار، وتستهلك دافعيته في التفاصيل. ثم ننتظر منه أن يبني دافعية طلابه.
لهذا لا يكفي أن نضيف إلى المدرسة يومًا للرفاه، أو ورشة عن التوازن، أو عبارة جميلة عن (الإنسان أولًا). الاهتمام بالإنسان يُقاس بما نعيد تصميمه من أجله.
يصبح التوجّه إنسانيًّا حين نسأل قبل إصدار أي قرار:
– هل يستطيع المعلم تنفيذ هذا المطلوب داخل وقت عمله، أم نقتطع له من حياته الخاصة؟
– ما حدود الاختيار التي تركناها لحكمه المهني؟
– متى نسمع صوته: قبل بناء المبادرات، أم بعد اكتمالها؟
– وهل تحفظ مؤشرات الأداء القيم والعلاقة والكرامة، أم تقيس ما يسهل عدّه وتغفل ما يستحق الحفظ؟
هذه الأسئلة صميم جودة التعليم، لأن المعلم ينقل إلى طلابه حالته كما ينقل إليهم المحتوى. وحين يعيش زمنًا طويلًا في الاستنزاف، تتأثر قدرته على الانتباه، وعلى اتخاذ القرار، وعلى بناء العلاقة التي نقول اليوم إنها جوهر التعليم الإنساني.
ومن هذا جاءت عنايتي في السنوات الأخيرة بالاحتراق الوظيفي ورفاه المعلمات، ثم منهجية (نسق). وكان السؤال عندي: كيف نُمكّن المعلم من أن يؤدي رسالته دون أن يفقد نفسه في الطريق؟
وحين قدّمت في مايو 2026 ورشة (بين العطاء والاستنزاف: الاحتراق الوظيفي وحفظ الإنسان في التعليم)، كنت أعود بأدوات أوضح إلى المعنى نفسه الذي قلته عام 2022: (إحياء روح المعلم كإنسان).
واليوم يصبح السؤال: أي إنسان نريد أن يبقى في مستقبل التعليم؟
وجوابي يبدأ من المعلم. فإذا أردنا مدرسة تحفظ إنسانية الطالب، فعلينا أن نبني مؤسسة تحفظ إنسانية من يقف أمامه كل صباح، لأن التعليم يصل إلى الطالب من خلاله. والاحتراق الوظيفي من أوضح العلامات التي تكشف لنا أين أخفقنا في وضع الإنسان في المركز.
منيرة المنيخر
معلمة، مدربة، كاتبة
متخصصة في مساعدة المعلمات على التعامل مع الاحتراق الوظيفي
المراجع:
1- Education in the age of AI: Ministerial statement to be adopted at
2- Burn-out an “occupational phenomenon”: International Classification of Diseases
سجلي في نشرتي البريدية ليصلك جديد الأفكار والمقالات (من هنا)
استجابات