لماذا احترقتِ أنتِ تحديداً .. بينما زميلتكِ في نفس المدرسة لم تحترق؟

وقفتُ عند باب غرفة المعلمات وأنا أنظر إلى زميلة لي تضحك وتتحدث بخفة. كانت تعمل في نفس المدرسة، وتتعامل مع نفس الإدارة، وتحمل نفس العدد من الحصص. لكنها كانت تبدو وكأن العمل لا يُثقلها.

وأنا كنتُ أشعر أنني أجُرّ قدمي كل صباح.

جلستُ مع هذا السؤال طويلاً: لماذا لا أشعر بنفس الخفة؟

الإجابة السهلة كانت أن أقول: “هي أقل التزاماً مني”، أو “هي لا تهتم بعملها كما أهتم”. لكن هذه الإجابة لم تكن صادقة، ولم تكن تشفيني.

الإجابة الحقيقية جاءت بعد سنوات من البحث والقراءة والتأمل، وهي ليست ما كنتُ أتوقعه: الفرق لم يكن في البيئة، ولا في الظروف، ولا في قوة الشخصية. الفرق كان في ما يمكن تسميته بثلاثة “دروع حماية” — غابت عني ولم تغب عنها.

العلماء الذين درسوا الاحتراق الوظيفي، وعلى رأسهم الدكتورة “كريستينا ماسلاش” [1]، يؤكدون أن الاحتراق هو نتيجة لعدم التوافق (Mismatch) بين بيئة العمل وبين احتياجاتنا وقيمنا.

من خلال تجربتي الشخصية، وقراءاتي المتعمقة، أدركتُ أن هناك ثلاثة أشياء رئيسية عندما تغيب عن المعلمة، تصبح فريسة سهلة للاحتراق.

١. غياب درع الغاية (عندما يصبح الراتب هو الدافع الوحيد)

عندما بدأتُ مسيرتي كمعلمة، كنتُ في قمة حماسي. كنتُ متفرغة، أحمل عملي معي إلى البيت بشغف، وأعتقد أن هذا هو “الشغل الصح”. لكن عندما أصبحتُ أمّاً، وتزايدت المسؤوليات، صار النظام القديم لا يوافق وضعي الجديد. هنا بدأ الضغط النفسي يتجاوز الضغط الفعلي. كنتُ أسأل نفسي باستمرار: “إلى متى؟ ولماذا؟ وهل هذا معقول؟” بسبب شعور الإحباط المتراكم، غابت الغاية الحقيقية من عملي. تشتتت الرؤية التي كانت واضحة في بداياتي، ولم يعد هناك أي قيمة حقيقية وراء عملي سوى “القيمة المادية”. لأنكِ لا تنهارين من كثرة العمل، بل تنهارين حين لا تعرفين لماذا تعملين.

علمياً، يؤكد الباحثون أن غياب المعنى والغاية من العمل (Lack of Meaning) هو من أقوى مسببات الاحتراق الوظيفي [2]. عندما لا تعرفين لماذا تفعلين ما تفعلينه، يصبح كل جهد تبذلينه عبئاً لا يُطاق. الغاية هي الدرع الذي يحميكِ من قسوة الأيام؛ وبدونها، تصبحين مكشوفة أمام كل ضغط.

٢. غياب درع الحدود (النسق الخاطئ في إدارة الجهد)

في تلك الفترة، كنتُ أعتقد أن المعلمة المثالية هي التي تنجز كل شيء بدقة متناهية. كنتُ أكره العمل في المدرسة لأنني لا أجد الهدوء الكافي في قسم المعلمات. فماذا كنتُ أفعل؟ كنتُ أؤدي المهام البسيطة في المدرسة، وأحمل المهام التي تتطلب تركيزاً إلى البيت، لأنجزها في أوقات الهدوء. كنتُ أظن أنني أحل المشكلة، لكنني في الحقيقة كنتُ أسستُ لـ “نَسَق غير متوازن” تماماً.

غياب الحدود بين وقت العمل ووقت الراحة، وبين مساحة المدرسة ومساحة المنزل، جعلني أعمل على مدار الساعة. لم يكن لجسدي ولا لعقلي فرصة للتعافي. الأبحاث في مجال الاحتراق الوظيفي تشير إلى أن “عبء العمل الزائد” (Work Overload) ليس فقط في كمية المهام، بل في عدم القدرة على التعافي منها [3]. عندما تُكسَر الحدود بين العمل والحياة، ويتحول المنزل إلى امتداد للمدرسة، أنتِ تستنزفين رصيد طاقتكِ الذي يجب أن يذهب لعائلتك ولنفسك.

٣. غياب درع الدعم (ثقافة “الخوف من الحكم”)

السبب الثالث، وربما الأكثر إيلاماً، كان غياب الدعم. وهذا الغياب لم يكن لأن الناس من حولي سيئون، بل لأنني أنا من اخترتُ العزلة. منذ بداية عملي، تلقيتُ “نصيحة” من البعض: “أي مشكلة تواجهك، لا تتحدثي عنها، لأنهم سيأخذونها ضدك ويحسبونها عليك”. هذه النصيحة زرعت في داخلي خوفاً عميقاً. كنتُ أواجه المشاكل ولا أجرؤ على التحدث. كنتُ أظن أن طلب المساعدة قد يُفهم بوصفه ضعفاً أو نقصاً. كنتُ أحمل جبالاً من الهموم وحدي، خوفاً من ظنون الآخرين وأحكامهم.

تؤكد الدراسات أن “انهيار المجتمع” (Breakdown of Community) في بيئة العمل، وغياب الدعم العاطفي والمهني، يعزل الفرد ويضاعف من شعوره بالاحتراق [3]. المعلمة التي تجد من يسمعها ويدعمها بدون أحكام، تملك قدرة أكبر بكثير على مقاومة الاحتراق مقارنة بالمعلمة التي تعاني بصمت.

الصورة النمطية للمعلمة الأم

كل هذا التراكم كان يُغذّى بصورة نمطية قاسية: أن “المعلمة الأم” لا يمكن أن تنجح في الجمع بين الدورين. أو كما يُقال في المثل الشائع: “صاحب البالين كذاب”. هذه الصورة لم تكن تدفعني لأثبت العكس — بل كانت تدفعني للاستسلام.

كنتُ أسمعها في تعليقات من حولي، وأجدها في نظرات بعضهم حين أتحدث عن طموحاتي المهنية. وبمرور الوقت، بدأتُ أُصدّقها. لماذا أبذل جهداً إضافياً إذا كانت النتيجة محسومة سلفاً؟ لماذا أحاول أن أكون معلمة متميزة وأماً حاضرة في نفس الوقت، إذا كان المجتمع قرر مسبقاً أن هذا ضرب من المستحيل؟

هذا الاستسلام الصامت كان وقوداً إضافياً لاحتراقي. وهو ما يجعل بناء الدروع ضرورة لا خياراً، لأن الصورة النمطية لن تختفي من حولكِ، لكن يمكنكِ أن تختاري ألّا تبنيَ حياتكِ على أساسها.

إذا كنتِ تقرأين هذه السطور، وتجدين نفسكِ في غياب الغاية، أو غياب الحدود، أو غياب الدعم، فاعلمي أن احتراقكِ لم يكن صدفة، ولم يكن ضعفاً منكِ. لقد كان نتيجة طبيعية لغياب دروع الحماية.

ربما في المرة القادمة التي تقفين فيها عند باب غرفة المعلمات، وتلمحين تلك الزميلة التي تضحك وتتحدث بخفة رغم ضغوط العمل، لن تسألي نفسكِ بمرارة: “لماذا لا أشعر بنفس الخفة؟”. بل ستدركين حينها أنها ببساطة، وبوعي أو بغير وعي، قد تسلحت بتلك الدروع التي آن الأوان لتصنعيها لنفسكِ.

المراجع

1- The Truth About Burnout: How Organizations Cause Personal Stress and What to … – Christina Maslach, Michael P. Leiter – كتب Google

2- (PDF) Six areas of worklife: A model of the organizational context of burnout

3- Job Burnout

4- (PDF) Positive expressive writing as a tool for alleviating burnout and enhancing wellbeing in teachers and other full-time workers

مقالات ذات صلة

استجابات

اترك رداً على سالي المحلاوي

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إلغاء الرد