ما هو الاحتراق الوظيفي حقاً؟ وهل يمكن أن تكوني مصابة به وأنتِ لا تعلمين؟

عشتُ الاحتراق الوظيفي خمس سنوات كاملة، وخرجتُ منه دون أن أعرف اسمه!

لم أكن أعلم أن ما كنتُ أمر به كان يحمل تعريفاً علمياً، وأن باحثين أمضوا عقوداً في دراسته، وأن منظمة الصحة العالمية أدرجته رسمياً في تصنيفاتها. كنتُ فقط أعيشه بصمت، وأظن أن المشكلة فيّ أنا.

قبل خمس سنوات، وصلتُ إلى مرحلة مفصلية في حياتي المهنية.

بدأتُ أسأم من حالة الإحباط الثقيلة التي كانت تغلف أيامي، وبدأتُ أشتاق بصدق إلى نفسي القديمة، تلك المعلمة المنطلقة إلى الحياة، الشغوفة بالتعليم، التي كانت تدخل فصلها بروح مختلفة تماماً.

جلستُ مع نفسي وسألتها بصدق موجع: “ما هو الحل يا ترى؟

كنتُ متيقنة أن الحل سيأتيني من القراءة، فالكتب تنقل لنا خلاصة تجارب الآخرين وحكمتهم. وبدأتُ أقرأ، وأقرأ، وأقرأ — ما يزيد على عشرة كتب في تنمية الذات، ظننتُ أنها ستعالج ما أعاني منه.

في البداية، ظننتُ أن المشكلة مجرد “نقص في المهارات” إدارة الوقت، الالتزام، التفكير الإيجابي. لم أتوقع أبداً أن الموضوع أعمق من ذلك بكثير.

ثم في غمرة بحثي، تذكرتُ كتاباً قرأته في مرحلتي الجامعية بعنوان “استمتع بحياتك”. عدتُ إليه، وفي تلك الفترة من الإحباط التي كنتُ أعيشها، وقعت عيني على فصل يحمل عنواناً صفعني بلطف:

“ما دمتَ ملزماً فاستمتع.”

أغلقتُ الكتاب.

جلستُ مع الجملة طويلاً. شعرتُ بشيء يتحرك في داخلي ، مزيج غريب من الدهشة والحسرة والأمل في آنٍ واحد. كيف لم أفكر في هذا من قبل؟ نعم، أنا ملزمة. لكن ما دمتُ ملزمة، لماذا لا أختار الاستمتاع؟

لم تكن هذه الجملة وحدها هي السحر، بل كانت الشرارة التي أشعلت كل التراكمات المعرفية من قراءاتي السابقة. كأنها جاءت لتُقفل كل شيء وتقول: الآن حان وقت القرار.

اتخذتُ قراراً حاسماً: يجب أن أستمتع.

قررتُ أن أمارس “الاستمتاع المتعمد” ، لا انتظار الأشياء الممتعة لتأتي من تلقاء نفسها، بل البحث عنها بنية واعية في كل تفصيلة أقوم بها. ومنذ ذلك الحين، بدأ شعور الإحباط يتلاشى تدريجياً.

انطلقتُ نحو خطوة جديدة: ما دمتُ سأستمر في هذا المجال، فلأقوّي نفسي فيه. بدأتُ أحضر الدورات، وأطبق ما أتعلمه، والأجمل من ذلك ، بدأتُ أنقل المعرفة لزميلاتي. شعرتُ بلذة غامرة وأنا أرى زميلاتي يعدن إليّ طلباً للمشورة بعد أن لاحظن التطور الذي وصلتُ إليه.

جمعتُ كل هذه الرحلة، بكل ألمها وأملها، ووضعتها في كتابي “معلم مع مرتبة الشرف”.

لكن هل تعلمون ما هي المفارقة الكبرى؟

بعد كل ما مررتُ به، وكل ما عانيته، وكل ما تجاوزته.. لم أكن أعلم أن ما عشته كان يسمى “الاحتراق الوظيفي”.

وفقط لاحقاً، عندما قرأتُ عنه بالصدفة، اتسعت عيناي دهشة. اكتشفتُ أن كل ما كنتُ أمر به قبل خمس سنوات كان تجسيداً حرفياً للاحتراق الوظيفي. هذا الاكتشاف جعلني أتوسع فيه حتى تخصصتُ في هذا المجال، لأساعد المعلمات اللواتي يعانين بصمت — كما عانيتُ أنا.

إذن.. ما هو الاحتراق الوظيفي حقاً؟

منظمة الصحة العالمية (WHO) لم تعد تعتبر الاحتراق الوظيفي مجرد “تعب عابر“، بل أدرجته رسمياً في التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) كـ “ظاهرة مهنية” (Occupational Phenomenon) ناتجة عن ضغط عمل مزمن لم تتم إدارته بنجاح .

الاحتراق ليس ضعفاً في شخصيتكِ، وليس دليلاً على أنكِ معلمة فاشلة، وليس نقصاً في إيمانكِ. إنه استجابة جسدية ونفسية طبيعية لبيئة عمل تضغط عليكِ أكثر مما تدعمكِ.

وقد حددت العالمة “كريستينا ماسلاش” — رائدة أبحاث الاحتراق الوظيفي — ثلاثة أبعاد رئيسية له:

1. الإرهاق العاطفي والجسدي (Exhaustion)

ليس التعب الذي يزول بنوم ليلة جيدة. إنه الشعور بأن طاقتكِ استُنزفت تماماً، وأنكِ فارغة من الداخل. هو ذلك الثقل الذي يمنعكِ من النهوض من السرير صباحاً، والشعور بأنكِ لا تملكين أي شيء إضافي لتقدميه لطالباتكِ — أو حتى لعائلتكِ عند عودتكِ للمنزل.

2. التبلد والانفصال (Cynicism)

هذه هي المرحلة التي تبدئين فيها بالانسحاب العاطفي. تصبحين سريعة الانفعال، وتتعاملين مع الطالبات كأنهن “أعباء” بدلاً من كونهن أرواحاً تحتاج إلى رعاية. تتوقفين عن الاهتمام، وترددين عبارات مثل “لا يهم” و”أصلاً التدريس كذا”، لتصنعي درعاً يحميكِ من المزيد من الألم ، لكنه في الحقيقة يعزلكِ عن كل ما كان يمنحكِ معنى حقيقة وغاية عليا.

3. تراجع الشعور بالإنجاز (Reduced Efficacy)

هنا تبدئين بالشك في قدراتكِ. تشعرين أن كل ما تفعلينه لا قيمة له، وأنكِ لا تحدثين أي فرق حقيقي. تنسين كل نجاحاتكِ السابقة، وتتذكرين فقط ما لم تنجحي فيه.

هل أنتِ متعبة فقط.. أم محترقة؟

الخط الفاصل بين التعب والاحتراق دقيق، لكنه جوهري:

وجه المقارنةالتعب العاديالاحتراق الوظيفي
التعافييزول بعد إجازة نهاية الأسبوعلا يزول حتى بعد الإجازة الطويلة
المشاعر تجاه العمللا يزال هناك اهتمام ومسؤوليةفقدان الاهتمام وشعور باللامبالاة
الطاقةالجسد متعب لكن الروح حاضرةالجسد متعب والروح مستنزفة
الرؤية للمستقبلأمل في تحسن الأوضاعشعور بأن لا شيء سيتغير
مثال من حياة المعلمةتتمنى الإجازة لكنها تعود بنشاطتعود من الإجازة بنفس الثقل الذي غادرت به

اختبار ذاتي: هل أنتِ مصابة به وأنتِ لا تعلمين؟

اسألي نفسكِ بصدق:

1.هل تجدين صعوبة في إيجاد أي معنى أو قيمة في ذهابكِ للمدرسة كل صباح؟

2.هل أصبحتِ أكثر قسوة أو سخرية في تعاملكِ مع الطالبات والزميلات مؤخراً؟

3.هل تشعرين أن إجازة نهاية الأسبوع لا تكفي أبداً لشحن طاقتكِ للعودة؟

4.هل فقدتِ الاهتمام بهواياتكِ أو عائلتكِ لأن العمل يمتص كل قطرة من طاقتكِ؟

إذا كانت إجابتكِ “نعم” على معظم هذه الأسئلة.. فتأكدي انك لست وحدك. أنتِ فقط تحملين ثقلاً له اسم، ومعرفة اسمه هي أول وأهم خطوة.

دعينا نتحدث حول ما تمرين به من خلال مكالمة استكشافية ل20 دقيقة، من خلال زر التواصل.

الآن بعد أن عرفنا “ما هو؟”.. يبقى السؤال الأهم الذي سأجيبكِ عليه في المقال القادم:

لماذا احترقتِ أنتِ تحديداً.. بينما زميلتكِ في نفس المدرسة لم تحترق؟

المراجع:

[1] World Health Organization (WHO). (2019). Burn-out an “occupational phenomenon”: International Classification of Diseases.

[2] Maslach, C., & Jackson, S. E. (1981 ). The measurement of experienced burnout. Journal of Occupational Behaviour, 2(2), 99–113.

[3] Maslach, C., & Leiter, M. P. (1997 ). The truth about burnout: How organizations cause personal stress and what to do about it. Jossey-Bass.

[5] Maslach, C., Schaufeli, W. B., & Leiter, M. P. (2001 ). Job burnout. Annual Review of Psychology, 52, 397–422.

مقالات ذات صلة

استجابات

اترك رداً على ام عمر

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إلغاء الرد

  1. الاحتراق الوظيفي مجهد أنا بدأ معي السنه ٤ في عملي كمعلمه علي الرغم ان خبرتي ممتازه اصبحت لكن وصلت لمرحله الأعمال متكدسه بشكل لا يطاق لا اعلم السبب و صرت إذا ذهبت للعمل لم احب الجلوس مع زميلاتي و كانه إصابتي fatigue