لماذا تشعرين بالإرهاق؟ فهم الاحتراق الوظيفي للمعلمات في العالم العربي

Oh, may your silhouette never dissolve on the beach; may your eyelids never flutter into the empty distance. Don’t leave me for a second, my dearest. Pablo Neruda

هل تستيقظين كل صباح وأنتِ تشعرين بثقل لا يوصف؟ هل فقدتِ ذلك الحماس الذي كان يشعل قلبك عندما تدخلين الصف؟ ربما تجدين نفسك تبكين في السيارة بعد يوم طويل، أو تشعرين بالذنب لأنك لم تعد تستمتعين بالتدريس كما كنتِ من قبل.

أنتِ لستِ وحدك، ولستِ “معلمة سيئة”. ما تعيشينه له اسم علمي: الاحتراق الوظيفي (Burnout).

ما هو الاحتراق الوظيفي بالضبط؟

الاحتراق الوظيفي ليس مجرد تعب عابر يختفي مع إجازة نهاية الأسبوع. هو حالة من الإرهاق النفسي والجسدي المزمن تحدث نتيجة ضغوط العمل المستمرة التي لم يتم التعامل معها بشكل صحيح.

يتكون من ثلاثة أبعاد رئيسية:

  1. الإرهاق الانفعالي: شعور بالاستنزاف العاطفي التام
  2. تبلد المشاعر: الانفصال العاطفي عن الطالبات والعمل
  3. انخفاض الإنجاز الشخصي: الشعور بعدم الكفاءة وفقدان المعنى

الأرقام تتكلم: واقع المعلمات في قطر والخليج

الدراسات الحديثة تكشف واقعًا مقلقًا:

  • في قطر: دراسة شملت 1,657 معلمة ابتدائية أظهرت أن 52.2% منهن يعانين من مستويات عالية من الإرهاق الانفعالي، وهو البُعد الأساسي للاحتراق الوظيفي.
  • في الإمارات76% من العاملين في قطاع التعليم يعانون من أعراض سلوكية أو نفسية أو جسدية بسبب العمل، و47% يعانون من الاكتئاب أو القلق أو نوبات الهلع المرتبطة بالعمل.
  • 57% من المعلمات في الإمارات فكّرن في ترك المهنة خلال العامين الماضيين.
  • في السعودية35.1% من المعلمات تحت سن الخمسين يرغبن في ترك التعليم خلال السنوات الخمس القادمة – وهي أعلى نسبة بين جميع الدول المشاركة في الدراسة الدولية.
  • معدل دوران المعلمات في دبي يصل إلى 60% في بعض المدارس، مما يعكس أزمة احتفاظ حقيقية.
  • 37.9% من المعلمات في الإمارات يرغبن في الانتقال إلى مدرسة أخرى إذا أتيحت لهن الفرصة (مقارنة بمتوسط 20% عالميًا).

لماذا يحدث الاحتراق الوظيفي؟

1. الأعباء الإدارية الثقيلة

الأوراق، التقارير، الامتحانات، الاجتماعات… كل هذا يسرق وقتك من التدريس الفعلي ومن نفسك.

2. بيئة العمل الضاغطة

  • صعوبات إدارة الصف
  • عدم الشعور بالتقدير أو الاعتراف
  • تدخل العمل في الحياة الشخصية
  • التوقعات غير الواقعية

3. الضغوط الثقافية الخاصة بالمعلمة العربية

  • ثقافة الكمال: “يجب أن تكوني مثالية دائمًا”
  • التوقعات المتعددة: معلمة ناجحة + أم حاضرة + زوجة مثالية
  • الوصمة الاجتماعية حول طلب المساعدة النفسية

4. نقص الدعم الاجتماعي

المعلمات الوافدات معرّضات أكثر للاحتراق لبعدهن عن شبكات الدعم الاجتماعي الأصلية.

العلامات المبكرة: هل أنتِ في طريق الاحتراق؟

انتبهي لهذه المؤشرات:

جسديًا:

  • صداع مستمر
  • اضطرابات النوم (أرق أو نوم زائد)
  • تعب دائم حتى بعد الراحة
  • مشاكل في الجهاز الهضمي

عاطفيًا:

  • فقدان الحماس والشغف
  • الشعور بالذنب المستمر
  • البكاء المتكرر أو الرغبة فيه
  • برود عاطفي تجاه الطالبات

سلوكيًا:

  • التأجيل والمماطلة
  • الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية
  • الانفعال السريع على الطالبات أو الأبناء
  • التفكير الجدي في ترك المهنة

الفرق بين التعب العادي والاحتراق الوظيفي

التعب العاديالاحتراق الوظيفي
يختفي مع الراحة والإجازةيستمر حتى بعد الإجازات
تشعرين أن لديك “طاقة فارغة”تشعرين أنك “فارغة تمامًا”
مؤقت ومرتبط بموقف محددمزمن ويؤثر على كل جوانب حياتك
لا يغيّر نظرتك لنفسكيجعلك تشكّين في كفاءتك كمعلمة

لماذا يجب أن نأخذ الاحتراق الوظيفي بجدية؟

لأن تجاهله له ثمن باهظ:

  • على صحتك: أمراض مزمنة، ضعف المناعة
  • على صفك: تراجع جودة التعليم وعلاقتك مع الطالبات
  • على بيتك: توتر العلاقات الأسرية
  • على مستقبلك المهني: ترك مهنة تحبينها في الأصل

رسالة أمل

إذا وجدتِ نفسك في هذا الوصف، فاعلمي أن:

  1. أنتِ لستِ ضعيفة – الاحتراق الوظيفي ليس فشلًا شخصيًا بل استجابة طبيعية لضغوط غير طبيعية
  2. التغيير ممكن – مع الأدوات الصحيحة والدعم المناسب
  3. طلب المساعدة شجاعة – ليس عيبًا ولا ضعفًا

خطة العمل: خطواتك الأولى نحو الوعي والتعافي

الأسبوع الأول: التقييم الذاتي الصادق

اليوم 1-2: خذي 10 دقائق هادئة واسألي نفسك:

  • من 1 إلى 10، أين أنا على مقياس الإرهاق؟
  • ما أكثر 3 أعراض ألاحظها في جسدي/مشاعري؟
  • متى بدأت هذه المشاعر بالضبط؟

اليوم 3-4: سجّلي في دفتر:

  • الأوقات التي تشعرين فيها بأكبر قدر من الضغط خلال اليوم
  • المواقف أو الأشخاص الذين يزيدون من توترك
  • اللحظات (ولو صغيرة) التي تشعرين فيها بشيء من الهدوء

اليوم 5-7: راجعي ما كتبته وحدّدي:

  • أكبر 3 مصادر للضغط في حياتك المهنية حاليًا
  • مصدر دعم واحد يمكنك اللجوء إليه (زميلة، صديقة، أخت…)

الأسبوع الثاني: كسر الصمت

خطوة واحدة شجاعة:
شاركي ما تعيشينه مع شخص واحد تثقين به. لا تحتاجين “حلًا” منه، فقط أن تُسمعي وتُرى.

يمكن أن تقولي:
“أشعر بإرهاق شديد في العمل مؤخرًا، وأحتاج أن أتكلم عن هذا مع شخص يفهمني.”

أسئلة للتأمل والكتابة (خصّصي 15 دقيقة)

اكتبي إجاباتك بحرية وبدون حكم على نفسك:

  1. لو كان جسدك يتكلم، ماذا كان سيقول لك اليوم عن مستوى طاقتك؟
  2. ما هي آخر مرة شعرتِ فيها بالشغف الحقيقي في الصف؟ ماذا كان مختلفًا في تلك اللحظة؟
  3. لو كانت صديقتك تعيش ما تعيشينه الآن، ماذا كنتِ ستقولين لها؟ (ثم اقرئي ما كتبتِ وقوليه لنفسك)
  4. ما هي الجملة القاسية التي تكررينها لنفسك يوميًا؟ (مثل: “أنا مقصّرة”، “كان يجب أن أكون أفضل”)
    الآن اكتبي بديلًا رحيمًا لها.
  5. إذا كان بإمكانك تغيير شيء واحد فقط في روتينك هذا الأسبوع ليخفف عنك، ما هو؟

تذكّري: الوعي هو الخطوة الأولى. وأنتِ الآن بدأتِها.

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *