هل أصبحت العزلة طريقتك الوحيدة للصمود؟

كانت فاطمة تعود إلى بيتها كل يوم وهي تقول لنفسها: «أنا بخير، فقط أحتاج أن أتماسك أكثر». لم تكن تبكي أمام أحد. في غرفة المعلمات كانت تبتسم، ترد على الأسئلة، وتبدو كما يجب أن تبدو المعلمة القوية: مرتبة، حاضرة، قادرة، ومتماسكة. وإذا سألتها زميلة عابرة: «تعبانة؟» أجابت بسرعة: «لا، عادي، ضغط بسيط».

لكن الضغط لم يكن بسيطًا. كان يتراكم في داخلها بصمت. حصة فوق حصة، مهمة فوق مهمة، رسالة من ولي أمر، طلب إداري، طالبة تحتاج احتواء، زميلة تطلب مساعدة، وبيت ينتظرها بعد يوم طويل. كانت فاطمة تشعر أن عليها أن تحمل كل شيء وحدها؛ لأن الاعتراف بالتعب بدا لها كأنه نقص، وكأن طلب المساندة ضعف.

مع الوقت لم تعد العزلة اختيارًا مؤقتًا، بل صارت طريقتها الوحيدة للبقاء. توقفت عن مشاركة ما يثقلها. لم تعد تتحدث عن الأسئلة التي تلاحقها في نهاية اليوم: لماذا لم أعد أفرح كما كنت؟ لماذا أصبحت أبسط المهام ثقيلة؟ لماذا أشعر أني أؤدي دوري بجسدي فقط؟ كانت تظن أن الصمت يساعدها على التماسك، بينما كان يوسّع المسافة بينها وبين الآخرين.

فاطمة لم تكن استثناءً. كثيرات منّا تعلّمن أن الاحتياج عيب. وبهدوء، صار هذا الاعتقاد يقود حياتها المهنية دون أن تلاحظ. كثير من المعلمات لا ينهكن فقط بسبب كثرة العمل، بل بسبب الشعور الخفي بأن عليهن الصمود وحدهن. هناك صورة غير معلنة للمعلمة المثالية: لا تشتكي، لا تتعثر، لا تبكي، ولا تسمح لأحد أن يرى هشاشتها. صورة تشبه البطولة من الخارج، لكنها من الداخل تستنزف الإنسان.

حين سمحت فاطمة لتعبها أن يُرى، لم تنهَر كما كانت تخاف. لم تصبح أقل قيمة. لكنها بدأت تفهم أن ما عاشته لم يكن ضعفًا شخصيًا، بل أثر طريق طويل مشت فيه وحدها أكثر مما ينبغي. وهنا تغيّر شيء صغير، لكنه عميق. لم تعد ترى المساندة نقصًا في قوتها، بل جزءًا من الحكمة. ولم تعد ترى الحديث عن التعب خيانة لصورتها المهنية، بل عودة إلى إنسانيتها.

فالاعتراف بالتعب لا يحل المشكلة وحده، لكنه يكسر أول حلقة فيها: حلقة الإنكار التي تجعلنا نواصل الاستنزاف وكأن شيئًا لا يحدث. ما دامت فاطمة تقول: «أنا بخير» وهي ليست بخير، ستظل تحمل أكثر مما تحتمل، وتبتعد أكثر عمن يمكن أن يساندها، وتفسّر تعبها وكأنه تقصير منها لا إشارة تحتاج أن تنتبه لها. لم تعد فاطمة تقيس قوتها بقدرتها على الكتمان، بل بقدرتها على أن تكون صادقة دون أن تفقد احترامها لنفسها.

نحن لا نحتاج إلى معلمة خارقة. نحتاج إلى معلمة حقيقية؛ تعرف متى تصبر، ومتى تستند، ومتى تقول: هذا كثير عليّ وحدي. لأن الصمود لا يعني أن نمشي بلا سند. والقوة لا تعني أن لا نتأثر. والرسالة العظيمة لا تُحمل غالبًا بكتف واحد.

لعل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» ما يفتح لنا معنى آخر للقوة؛ قوة لا تهرب إلى العزلة، ولا تحمل كل شيء بصمت، بل تعرف كيف تبقى قريبة من الناس دون أن تفقد نفسها.

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف القوة في حياة المعلمة. ليست القوة أن تبتلع كل شيء، ولا أن تبتسم قبل الفصل وهي منهكة تمامًا، ولا أن تعود إلى بيتها مستنزفة ثم تبدأ وردية أخرى من الصمت. القوة الحقيقية تبدو مختلفة تمامًا. تبدو في الصدق. في طلب المساندة. في تسمية التعب باسمه. في الخروج من عزلة طويلة ظنناها دليل ثبات، فإذا بها كانت واحدة من أكثر الطرق قسوة على القلب.

معملتي، الطريق الطويل لا يُحتمل عندما تكونين وحيدةً.

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *