لماذا صار النهوض من السرير أصعب معاركي اليومية؟

أستيقظ صباحاً، وأجد في جسدي ثقلاً غير طبيعي. سكونٌ غريب يجعلني متمسكة بالفراش، لا أريد مغادرته أبداً. هذا الثقل نفسه هو الذي يهمس لي: “لماذا أقوم؟ ابقي جالسة هنا”.

في تلك اللحظة، تبدأ المعركة اليومية المعتادة. صوتٌ في رأسي يحذرني: “إن لم تقومي الآن فسوف تتأخرين، وإن تأخرتِ سيتم لومكِ مرة أخرى من قِبل إدارة المدرسة”. أحاول جاهدة أن أستيقظ بخفة، أن أقفز من سريري كما كنت أفعل في البدايات، في تلك السنين الأولى عندما كنت في أوج شغفي بالتدريس. ولكن للأسف، لا أستطيع. هناك شيء خفي، ثقيل جداً، يجذبني بقوة إلى السرير.

بعد مناوشات طويلة بيني وبين نفسي، أقوم متثاقلة. أستعد للذهاب إلى المدرسة، ولكن هذا “الاستعداد” لم يعد يأخذ مني سوى خمس دقائق فقط! فليس لي نَفَس، وليس لدي أي رغبة بالتجمل، أو بتنسيق الملابس، أو حتى باختيار الحذاء الذي سأرتديه اليوم. كل ما أريده هو أن أذهب فقط لينتهي هذا الكابوس. كابوس الشعور بالعجز، والإرغام على الذهاب إلى مكان لم أعد أشعر بالانتماء إليه.

ومع أن مدرستي قريبة جداً من منزلي، إلا أنني ما زلت أتأخر كل يوم. والمضحك المبكي أنني في كل يوم أجد عذراً “منطقياً” جديداً لتبرير هذا التأخير لنفسي قبل الآخرين.

لم أكن أعلم حينها أن هذا الشعور، هذا الثقل، وهذا العجز، ليس كسلاً ولا إهمالاً. لم أكن أعلم أنه عرضٌ صريح من أعراض “الاحتراق الوظيفي” (Burnout). ذلك الوحش الصامت الذي يجعلني منفصلة تماماً عن المهنة، ويسلبني الرغبة في الذهاب إليها.

ما هو هذا الوحش الصامت؟

الاحتراق الوظيفي ليس مجرد مصطلح نطلقه عندما نشعر بالتعب في نهاية أسبوع شاق. إنه حالة حقيقية، ناتجة عن ضغوط العمل المزمنة التي لم يتم التعامل معها بنجاح لفترة طويلة. إنه ذلك الشعور الذي يتسلل ببطء، ليطفئ شعلتكِ ويترككِ تقاتلين يومياً فقط لتبقي واقفة على قدميك.

لماذا يصرخ الجسد أولاً؟

قد تتساءلين: لماذا كان أول ما شعرتُ به هو الثقل الجسدي؟ الإجابة تكمن في علم الأعصاب. جسدنا ذكي جداً، فهو يحمل الضغط النفسي المتراكم ويُعبّر عنه قبل أن يعترف العقل بالمشكلة. عندما نتعرض لإجهاد مزمن، يفرز الجسم هرمونات التوتر (مثل الكورتيزول) باستمرار، مما يؤدي إلى إنهاك الجهاز العصبي، فيترجم ذلك إلى تعب جسدي حقيقي، وصعوبة في الاستيقاظ، وآلام غير مبررة [1]. جسدك لا يكذب، إنه يطلق جرس إنذار.

فخ “أصلاً التدريس كذا”

في كثير من المرات، كانت هناك حرب طاحنة تدور داخلي: أريد ولا أريد.. أحب ولا أحب.. أرغب ولا أرغب. لا أريد أبداً أن أكون في هذه الحالة السيئة، لكن في نفس اللحظة التي أحاول فيها أن أفكر تفكيراً منطقياً أو إيجابياً، تركض فكرة أخرى مسرعة لتستبدلها. فكرة تضع لوم الآخرين على السطح.

أبدأ بإلقاء اللوم على الظروف، على الإدارة، على الطالبات، وأردد تلك الأسطوانة المشروخة: “أصلاً التدريس كذا! أصلاً لازم يكون فيه ضغط! طبيعي يكون فيه تعب نفسي وجسدي! كل المعلمات كذا!”.

علم النفس يسمي هذا “الإسناد الخارجي” أو “التحيز الدفاعي”. إنها آلية دفاع نفسية نلجأ إليها لا شعورياً لنحمي أنفسنا من الشعور بالفشل. كنت أختبئ خلف هذه الأعذار لأنها كانت تريحني مؤقتاً، وتجعلني أشعر أن المشكلة ليست فيّ، بل في كل شيء حولي. لكن هذه الراحة المؤقتة هي فخ يُبقينا عالقات في دائرة الاحتراق.

:من أين يأتي الاحتراق؟ الأسباب الستة الخفية

الاحتراق لا يأتي فقط من “كثرة الحصص”. الباحثان “كريستوفر ماسلاش” و”مايكل ليتر” حددا ستة أسباب جذرية للاحتراق الوظيفي [2]:

1. العبء الزائد: كمية العمل التي تتجاوز طاقتك البشرية والوقت المتاح.

2. غياب السيطرة: الشعور بأنك لا تملكين قراراً في صفك أو في طريقة عملك.

3. غياب التقدير: سواء كان تقديراً مادياً أو معنوياً لجهودك.

4. انهيار المجتمع المهني: بيئة العمل السامة، غياب الدعم من الزميلات والإدارة.

5. غياب العدالة: الشعور بالتمييز أو المحاباة في بيئة العمل.

6. تعارض القيم: عندما تُجبرين على القيام بأشياء تتعارض مع مبادئك التربوية.

في لحظة صدق نادرة مع نفسي، وبعد أن أدركت كل هذا، توقفت وقلت بصوت عالٍ:

“لا.. لا.. لا.. ليس كل المعلمات هكذا!”

هناك معلمات ما زلن يبتسمن من قلوبهن، ما زلن يمتلكن تلك الشعلة. إذاً، الخلل ليس في المهنة وحدها كمصير حتمي، بل في شيء أعمق حدث لي أنا في الطريق، وفي كيفية تفاعلي مع تلك الأسباب الستة.

يا ترى، كم مرة شعرتِ بهذا الثقل في جسدك صباحاً؟ وكم مرة أقنعتِ نفسك بأن “كل المعلمات هكذا” لتهربي من مواجهة الحقيقة؟

في المرة القادمة التي تشعرين فيها بذلك الثقل يمنعك من مغادرة فراشك، تذكري: جسدك لا يكذب، إنه يخبرك بشيء مهم، فهل أنتِ مستعدة للاستماع إليه وتسميته باسمه الحقيقي؟

المراجع:

1- الكورتيزول في حالة الإرهاق والإرهاق الحيوي: نظرة عامة – PubMed

2- (PDF) Six areas of worklife: A model of the organizational context of burnout

مقالات ذات صلة

استجابات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *